Al Faraa Camp - Palestine   مخيم الفارعة

News

Photos

Children

Facilities

Volunteers

Requests

Guestbook

Home


حكاية طفل شــــهيد 

وغاب نهار آخر … يحمل في طياته أحلاما وردية لطفل أطفأ لتوه شمعته الثالثة عشرة … وقد وعده والده في ذلك المساء المخملي بتلبية طلبه الذي طالما ألح عليه وقد آن أوان الوفاء به لا سيما وقد انقضى عشرون يوما من عمر الإجازة المدرسية … "غدا يا محمد سأشتري لك كرة القدم … وستلعب مع رفاقك في حارات المخيم … في سلام وأمان !!" قالها والده العجوز وهو يطوي ساقه المريضة ويهز رأسه في ابتسامة مريرة … وشفتاه تتمتمان بكلمات مخنوقة :" في أمان وأين هو الأمان …. والموت لنا بالمرصاد !!

        أشرقت شمس يوم جديدة … وامتدت أناملها الذهبية لتكشف غطاء النوم عن عيني محمد … ليهبّ مسرعا ويتجه نحو سرير والده المريض ويذكره بوعده له … فيهزّ الوالد رأسه ضاحكا وهو يقول : " كم هي قوية ذاكرتك يا ولدي !! خذ من جيبي ما تشاء واشتر الكرة والعب مع زملائك .. ولكن حذار من الاقتراب من الشارع الرئيسي ، فهو طريقهم … وهم يطلقون الموت على كل ما يتحرك في طريقهم".

   - اطمئن يا والدي سنلعب بين البيوت في الحارة لا تقلق " …      قالها محمد وهو يهرول مسرعا نحو حانوت قريب بينما شعر والده بنار تهبّ في صدره تدفعه ليحلّق بولده ليضمّه إلى صدره ليقبّله ليقول له :  أريد أن أرى وجهك ، أن أتملّى من محيّاك يا ولدي … فأنا أخشى أن أفقدك يا ولدي " . وتخنقه دمعات سخينة تغمر وجهه وتتساقط من لحيته البيضاء .

     وفي غمرة الفرح الطفولي الذي ارتسم على وجوه مجموعة من الفتية وهم يمرحون ويلعبون بالكرة الجديدة ويضجّ المكان بصرخاتهم الحماسية التي راحت تعلو وتعلو فتختزل في أحشائها أصواتا منكرة لرصاصات تئزّ هنا وهناك .. وما هي إلا لحظات حتى تفرق رفاق "محمد" هنا وهناك وهم يصرخون مذعورين .. الجيش .. الجيش .. الجنود يقتحمون المخيم .. أسرع محمد إلى كرته الجديدة يحتضنها في خوف ويبحث بعينيه عن ملجأ يحميه من الموت المتطاير وفجأة تسمّرت قدماه وجحظت عيناه وهو يجد نفسه وجها إلى وجه أمام واحد من أجلاف الغزاة .. وفي طرفة عين كانت قذيفة من الغاز السام تندفع عن بعد عشرة أمتار فقط لتطفئ ابتسامة المرح في وجهه البريء .. ومن هول اندفاعها يرتطم رأس الصبي بالجدار ثم يسقط مغشيا عليه وسط سحابة من الغاز السام .. ومن بعيد كانت تصله ضعيفة متثاقلة صرخات رفيقه "محسن" وهو يصيح : محمد محمد أهرب يا صاحبي ..   

نظر الجندي إلى ضحيته وعلى وجهه ابتسامة شماتة اختزلت كل موروثاته السادية العنصرية ثم أدار ظهره في لؤم وراح يطارد من تبقى من الصبية يبحث عن ضحية جديدة ….

       وبعد فترة من المواجهات والمصادمات خرجت عصبة القتلة من أزقة المخيم البائس وأسرع البعض إلى إنقاذ الصبي من دوامة الموت .. يهرولون لاهثين الى حيث يأملون في الإسعاف وسرعة النجدة … حملوه إلى عيادة المخيم … وهناك مددوه على منصة الفحص وراحوا يبحثون عن الطبيب .. انه لم يصل بعد .. الطرقات مليئة بالحواجز والسيارات العسكرية … ألا توجد ممرضة أو شخص له دراية بالإسعاف … ألا توجد سيارة إسعاف ؟!! حسنا استدعوا سيارة إسعاف من طوباس .. لا طريق .. لا مغيث .. إلا رحمة المغيث ربّ العالمين .. ساعة مرت ونحن بانتظار سيارة إسعاف أو الطبيب أو من ينقذ طفلا يصارع الموت … نصف ساعة أخرى … لا شيء سوى نظرات اليأس في عيون الحاضرين …. ومجموعة من العجائز تردد :" لا حول ولا قوة إلا بالله … راح الولد… مات الولد.. "مات الولد" صرخة والد محمد الدرة وهو يستغيث بالمسعفين والمنجدين ……ولا حياة لمن تنادي !!!!!

   الموت يزحف بطيئا على صدر الغلام فيوقف تنفسه ثم تمتد أنامله لتغمض عينيه بعد ساعتين من سكرات الموت …. تخرج الروح الطاهرة لترفرف فوق حارات المخيم فوق الوجوه الحزينة وترفرف فوق عيادة الإسعاف الفارغة من كل نجدة … وتحلّق روحه الطاهرة فوق جثمانه المحمول على الأكتاف …. وتمتد أنامله الرقيقة لتمسح دمعات سالت على خد رفيقه "محسن" وهو يصيح باكيا :" لقد ناديته .. يا محمد أهرب أهرب … الجنود يا محمد أهرب " .. كان همه استعادة كرته الجديدة … بكى رفاقه في المدرسة لدى افتتاح السنة الدراسية الجديدة …. ووضعوا على مقعده وردة حمراء وشارة بيضاء رسم عليها الهلال وهو يحتضن الصليب ويغرق الاثنان في بكاء مرير … وتسيل دموعهما على مائتين وواحد وعشرين طفلا من طلبة المدارس طلبهم الموت المبرمج مكرهين إلى المقابر بدلا من الملاعب الخضراء تحت شمس الأمان في ظل السلام .

 

Al Faraa Camp - Palestine
© All pictures are copyrighted. If you wish to use a picture, please email us for permission